NEWS

تاريخ نشره: 
17 Dec 2018
موجز: 

قامت عدة دول في السنوات الأخيرة باستحداث محاكم تجارية دولية ككيان قضائي جديد متخصص في الفصل في المنازعات التجارية والمالية والاستثمارية والتي يكون أحد أطرافها مستثمرا أجنبيا بهدف تعزيز البيئة الاستثمارية فيها ودعم قطاع الأعمال وتوفير مناخ اقتصادي تسوده الثقة والاستقرار وحفظ حقوق المستثمرين. ومن أمثلة الدول التي قامت باستحداث محاكم تجارية دولية متخصصة: المملكة المتحدة، وسنغافورة، وهونج كونج، وكازاخستان، ومؤخرا الصين وهولندا.

 

كذلك فقد حرصت تلك الدول على تطوير إجراءات نظر وسير الدعاوى التجارية والمالية والاستثمارية، فقامت بوضع قواعد وإجراءات خاصة بالمحاكم التجارية تتوافق مع طبيعة عملها وبما يساهم في زيادة فاعلية التخصص، ويلائم طبيعة القضايا المنظورة، ويحقق سرعة الفصل في الدعاوى وتقليص أمد التقاضي وصولا إلى العدالة الناجزة.

 

وفي دولة قطر، فقد أنشأ المشرع القطري محكمة متخصصة تسمى المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال (والتي تسمى رسميا أيضا بمحكمة قطر الدولية) بموجب أحكام القانون رقم 2 لسنة 2009 لتكون ضمن البناء الهيكلي القانوني لمركز قطر للمال. وقد استهدف المشرع من إنشائها الإسهام في تحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز بيئة الأعمال ودعم مناخ الاستثمار في المركز وذلك من خلال إيجاد قضاء متخصص وسريع يتولى نظر المنازعات ذات العلاقة بالأنشطة المالية والاقتصادية والاستثمارية والتي قد تنشأ فيما بين الشركات الأجنبية المسجلة بالمركز والغير، وبما يضمن توفير العدالة وسرعة الفصل في الدعاوى، وذلك بواسطة قضاة مؤهلين ومتخصصين يتفهمون دقة المسائل المالية والاقتصادية والاستثمارية وتعقيداتها.

 

وتتسم المنازعات المنظورة أمام المحكمة بنوع من التعقيد من الناحية العملية وذلك لارتباط موضوع الخصومة فيها بأعمال البنوك والمعاملات المالية، وأعمال الاستثمار، وأنشطة التأمين وإعادة التأمين، وإدارة الصناديق، وشركات الائتمان، وأنشطة الوساطة المالية، وأعمال الوكالات المالية، الأمر الذي يتطلّب معه وجود هيئة قضائية متخصصة قادرة على التعامل مع نوعية تلك المنازعات.

 

وقد نظمت المواد (1-16) من الملحق رقم (6) من القانون رقم (2) لسنة 2009 بتعديل بعض أحكام قانون مركز قطر للمال الصادر بالقانون رقم (7) 2005 كيفية تشكيل المحكمة، وتعيين أعضائها، وكيفية وضع إجراءات عملها والتي تراعي مبادئ التقاضي الأساسية وأفضل الممارسات الدولية.

 

وتتكون المحكمة من دائرة ابتدائية أو أكثر، ودائرة استئنافية أو أكثر. وتتألف كل منها من ثلاثة قضاة. وتختص الدائرة الابتدائية بنظر المنازعات المدنية والتجارية التي يكون أحد أطرافها شركة مؤسسة في مركز قطر للمال، وتختص الدوائر الاستئنافية بالمحكمة المدنية والتجارية بالفصل في الطعون المقامة أمامها في الأحكام الصادرة من الدائرة الابتدائية. ويتم التقاضي في المحكمة على درجتين، فتقدم الدعوى أولا إلى المحكمة الابتدائية، ثم يتم الطعن على الحكم الصادر فيها أمام محكمة الاستئناف. وتجدر ملاحظة أنه لا يجوز استئناف أحكام الدائرة الابتدائية إلا بعد الحصول على الإذن بالاستئناف من الدائرة الاستئنافية بعد فحص أسباب الاستئناف، والتحقق من مدى جديّتها وصحتها، وتقدير ما إذا كانت جديرة بالعرض على الدائرة الاستئنافية من عدمه. ويقوم بفحص أسباب الاستئناف قضاة الدائرة الاستئنافية المختصة. ويكون قرارها بجواز الاستئناف من عدمه نهائيا. وقد آثر المشرع القطري على عدم إخضاع الأحكام الصادرة عن الدوائر الاستئنافية للطعن عليها بطريق التمييز وذلك استجابة لما تمليه طبيعة المنازعات الاقتصادية والمالية والاستثمارية من وجوب الحفاظ عل اعتبارات السرعة واستقرار المراكز القانونية الأمر الذي يؤدي إلى استقرار المعاملات.

 

وقد استحدث المشرع ولأول مرة في دولة قطر قواعد خاصة بإدارة الدعوى وخطى خطوات واضحة نحو تفعيل مبدأ حصر البينة، حيث ألزم المشرع الأطراف المتنازعة بضرورة تقديم بيّناتهم دفعة واحدة وفي بدايةاجراءات التقاضي وذلك للحد من المماطلة والتسويف، وتقصير أمد التقاضي، واختصار جلسات الاستماع، وتلافي الجدل غير المبرر أمام المحكمة.

 

واستشعارا بأهمية قضاء التنفيذ بوصفه ثمرة الحكم القضائي وباعتباره المرحلة الأخيرة في العملية القضائية الكاملة، فقد قام المشرع القطري بوضع قواعد خاصة للتنفيذ بالمحكمة رغبة منه في إيجاد منظومة قضائية متكاملة، تضمن تنفيذ الأحكام الصادرة على نحو سريع وفعّال، وتتفادى التراخي والمماطلة وإشكاليات التنفيذ الأخرى والتي قد تُفقد الهيبة والقيمة الحقيقية والثقة بالأحكام القضائية، حيث يعاني المتقاضون غالبا في المحاكم التقليدية –إن جاز التعبير-تنفيذ ما صدر لهم من أحكام ٍ قضائية.

 

وقد يوحي التنظيم الخاص لمحكمة قطر الدولية بأنها جهة قضاء مستقل عن القضاء الوطني، غير أن هذا التصور غير صحيح، ذلك أن المحكمة وبالرغم من البناء القانوني الخاص بها، إلا أنها جزء من المنظومة القضائية الوطنية للدولة، شأنها في ذلك شأن المحاكم الأخرى في الدولة، حيث يسري عليها قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1990 وتعديلاته على الدعاوى المرفوعة أمام المحكمة المدنية والتجارية فيما لم يرد بشأنه نص خاص في القواعد الخاصة المحكمة، و في هذه الحالة تكون الإجراءات المعمول بها في محكمة قطر الدولية هي ذات الإجراءات واجبة الاتباع أمام المحاكم الأخرى في الدولة و التي تشكل وفقا لقانون السلطة القضائية.

 

وقد بلغ عدد الدعاوى المتداولة أمام المحكمة في عام 2016 بمختلف درجاتها 16 دعوى، بينما بلغ عدد الدعاوى المتداولة لعام 2017 بمختلف درجاتها 37 دعوى.

 

وتعد الزيادة الملحوظة في أعداد الدعاوى المتداولة في المحكمة نتيجة طبيعية ترجع إلى زيادة عدد الشركات المسجلة في مركز قطر للمال، حيث بلغ عدد الشركات المسجلة في المركز وفقا لآخر التصريحات الصادرة عن هيئة مركز قطر للمال ما يناهز 570 شركة. 

 

 وعلى ذلك، يتبين الدور الهام الذي تقوم به محكمة قطر الدولية في دعم البيئة الاستثمارية والمساهمة في جذب المستثمرين من خلال طمأنة الشركات الأجنبية بأن استثماراتهم محمية بموجب القانونين ومن خلال توفير العدالة الناجزة التي تضمن حقوقهم ومصالحهم.