NEWS

تاريخ نشره: 
16 Sep 2019
موجز: 
بقلم: الدكتور زين العابدين شرار

في إطار جهود هيئة الأمم المتحدة الرامية إلى تعزيز استقلال ونزاهةالسلطات القضائية، و تدعيم تدابير مكافحة الفساد داخل أنظمة العدالة، و ترسيخ مبدأ سيادة القانون و قيم العدل ، فقد دعت هيئة الأمم، من خلال مكتبها المعني بمكافحة الجريمة والفساد، مجموعة من رؤساء المحاكم الدستورية والمحاكم العليا وكبار القضاة بالهيئات القضائية لعدد من الدول لحضور اجتماعا تمهيديا في مدينة فيينا لمناقشة تحديات استقلال السلطات القضائية في بعض الدول والتيتعاني بدورها أيضا من ضعف مستوى تطبيق مبدأ سيادة القانون و أسس العدالة. وقد خلصت المجموعة، والتي عرفت فيما بعد بمجموعة النزاهة القضائية، إلى جملة من التوصيات أهمها ضرورة الحاجة إلى إيجاد معايير قضائية مقبولة دولياً في مجال السلوك المهني والأخلاقيلأعضاء الأجهزة والسلطات القضائية، والتي تهدف بدورها إلى الارتقاءبمستويات النزاهة والحيادية لدى القضاة، وتفعيل الاستقلال القضائي في الأجهزة العدلية، وتعزيز الثقة العامة بالمؤسساتالقضائية من خلال وضع اطارا عاما أطارا عاما لضبط السلوك القضائي. 

وبناء على ذلك، قامت مجموعة النزاهة القضائية بتكليف مقرر المجموعة بعمل دراسة تحليلية للتشريعات والقوانين والضوابطوالارشادات المعمول بها في بعض الدول ذات الصلة بمعايير السلوك المهني القضائي، ومن ثم إعداد وصياغة مشروع لمعايير السلوك القضائي وفقا لأفضل المعايير والممارسات والتقاليد القضائية الدولية. 

 

وقد عقدت مجموعة النزاهة القضائية اجتماعها الثاني في مدينة بنغالور في الهند خلال الفترة ما بين 24 و 26 من شهر فبراير في عام 2001، و بدعم من مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأممالمتحدة، للاطلاع و التباحث حول مشروع معايير السلوك القضائيالمعد من قبل مقرر المجموعة، ودراسة افضل صور الصياغة الفنيةلمشروع مبادئ السلوك القضائي و الكفيلة بإضفاء السمة الدولية عليه من خلال مراعاة التقاليد القضائية في الأنظمة القضائية اللاتينية و الأنظمة القضائية الانجلوسكسونية، و من ثم الموافقة على الصياغة النهائية لمسودة مبادئ السلوك القضائي والتي عرفت فيما بعد بمسمى (مسودة بانغالور للسلوك القضائي) . 

وقد عملت مجموعة النزاهة القضائية على نشر مسودة السلوك القضائي والعمل على وصولها لأكبر شريحة من القضاة في الدولالتي تتبنى النظام القانوني اللاتيني والدول التي تتبنى النظام القانوني الأنجلوسكسوني. 

ولقد اعتُمِدت مسودة السلوك القضائي التي أعدتها مجموعة النزاهة القضائية في نسختها النهائية وبصيغتها المنقحة في اجتماع الدائرةالمستديرة لرؤساء المحاكم والذي عقد بقصر السلم في مدينة لاهايفي شهر نوفمبر لعام 2002، حيث تم إقرار النسخة النهائية للمسودة والتي عرفت فيما بعد بمسمى (مبادئ بنغالور للسلوك القضائي). 

وفي شهر يونيو من عام 2006، أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعيالتابع لهيئة الأمم المتحدة قرارا بتأييد (مبادئ بنغالور للسلوكالقضائي). 

وتتكون مبادئ بنغالور للسلوك القضائي من ستة مبادئ عامة يتعين على القاضي الالتزام بها على الصعيدين الفردي والمؤسساتي. وقد جاء في المبدأ الأول على أن استقلال السلطة القضائية ركيزة أساسية لترسيخ مفهوم سيادة القانون وضمانه جوهرية للمحاكم العادلة، ولذلكيتعين على القاضي أن يحافظ على استقلاله، وأن يمارس قضاءه وفقتقديره الدقيق للوقائع الثابتة أمامه، وفهمه الواعي والعميق للقوانينبعيداً عن أي مؤثرات أو إغراءات او ضغوط أو تهديد أو تدخل مباشر أوغير مباشر من أي جهة كانت أو لأي سبب كان وبما يعزز الثقة فياستقلاله. 

وقد نص المبدأ الثاني على وجوب أن يلتزم القاضي الحياد أثناء توليهلمهامه القضائية بدون تحيّز أو تحامل أو محاباة تجاه أي من الفرقاء. ولذلك يتعين على القاضي أن يفصل في المسائل المعروضة عليه دون تحيّز، وعلى أساس الوقائع والقانون، ودون أي تأثير خارجي أو ضغوط أو تهديد أو تدخلات مباشرة أو غير مباشرة، وألّا يميّز بين أي من الخصوم لدين أو مذهب أو عرق أو لون أو جنسية أو أي سبب آخر، و ان لا يعطي أراء مسبقة بشأن المسألة المنظورة أمامه، و ألّا يتصرف بطريقة تعزز مصالح أحد الأطراف، كما يتوجب على القاضي تخليهعن عواطفه و انفعالاته و انتماءاته السياسية و الفكرية و العقائدية عند مزاولته لمهامه القضائية. 

وقد جاء في المبدأ الثالث على أن النزاهة أمر جوهري لأداء الوظيفة القضائية، ولذلك يتعين على القضاة على أن يكون سلوكهم فوق الشبهات في نظر المراقب العادي، وان يتوافق مع الثقة العامة في نزاهة الجهاز القضائي. 

وأكد المبدأ الرابع على أهمية اللياقة باعتبارها أمر جوهري ايضا لتولي الوظيفة القضائية، حيث نص على أنه يتوجب على القاضي أداء مهامه بشكل لائق بعيدا على ما قد يضعف الثقة العامة بالقضاء. ويستوجب هذا المبدأ أن يراقب القاضي بوعي وجديه وبقراءة نقدية ذاتيه لسلوكياته وتصريحاته التي قد تزرع الشك في استقلاليته وحياده. 

 

وقد حرص المبدأ الخامس على تأكيد التزام القاضي بالمساواة في معاملة الخصوم، ولذلك يتعين على القاضي معاملة المتقاضين بموضوعية واحترام، وتجنب أي إجراءات إقصائية أو انحيازية أو تميزية أثناء المحاكم بسب العرق أو اللون أو الجنسية أو الدين أو المكانة الاجتماعية أو أي سبب آخر.

وقد نص المبدأ السادس على أهمية الكفاءة والاجتهاد لأداء المهام القضائية، ولذلك يتعين على القاضي توسيع نطاق معرفته القانونيةوالثقافية ومواكبة آخر المستجدات والتطورات على الساحة القانونية والقضائية، كما يتعين على القاضي تنمية قدراته وتحسين أدائه،وضرورة مسايرة تطورات القانون الدولي بما في ذلك الاتفاقيات الدولية وغيرها من المعاهدات التي ترسي معايير حقوق الانسان. 

 

وفي دولة قطر، فقد تضمن الدستور الدائم لدولة قطر الصادر في عام 2004 على المبادئ الأساسية بشأن استقلال القضاء، وهي ذات المبادئ التي نادت بها مبادئ بنغالور للسلوك القضائي لاحقا، والتي من أهمها ما نصت عليه المادة 131 من الدستور والتي جاء فيها على أن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأي جهة التدخل في القضايا أو في سير العدالة. ومؤدى ذلك، أن الدستور القطري قد كفل للسلطة القضائية استقلالها عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، فلا يجوز أن تتدخل أي من السلطتين فيعمل سلطة القضاء، ولا أن تؤثر عليها بأي وسيلة كانت، ولا أن تنتزع اختصاصاها او تتعدى عليه. 

كذلك فقد أكدت المادة 134من الدستور استقلال القضاة وحصاناتهم وعدم قابليتهم للعزل إلا وفقا لأحكام القانون حيث نصت المادة على أنه:" أن القضاة مستقلون، وغير قابلين للعزل إلا في الحالات التي يحددها القانون ". 

و قد أرسى المشرع القطري في الفصل التاسع من قانون السلطة القضائية في المواد (40-50) المعايير السلوكية للقضاء حيث نص على واجبات القاضي و التي من أهمها أن يحرص القاضي على المساواة بين المتقاضين و إقامة العدل فيما بينهم ، و المحافظة على صفة الوقار و الكرامة عند تأديته لأعماله، و  المحافظة على حياده و استقلاله ، و أن يتجنب إبداء رأيه في المنازعات المعروضة عليه ، و أن لا يكون لديه أي مصلحة شخصية  مباشرة أو غير مباشرة  في أي دعوى ينظرها، و عدم قبول الهدايا، كما يُحظر على القاضي إبداء الآراء السياسية أو الاشتغال بالعمل السياسي. 

وتعزيزا لاستقلال ونزاهة القضاء والقضاة، فقد أصدر المجلس الأعلى للقضاء الموقر في دولة قطر في عام 2017 قواعد مفصلة للسلوك القضائي والتي جاءت لتؤكد وتعزز استقلال ونزاهة جهاز القضاء، ودور القاضي في تحقيق العدالة الناجزة وأهمية سرعة الفصل في الدعاوى دون محاباة أو تحيز أو تحامل. 

هذا وتجدر الإشارة إلى أن محكمة قطر الدولية قد قامت منذ انشائها بوضع مدونة للسلوك القضائي لقضاتها تستند على مبادئ بنغالورللسلوك القضائي وعلى ضوء المعايير القضائية الدولية، حيث تهدف المدونة كسائر تشريعات السلطة القضائية إلى تعزيز استقلالية المحكمةوالحفاظ على حيادها وتأكيد نزاتها وكفاءة قضاتها وفعالية إجراءاتهاوتحقيق رسالتها القائمة على إحقاق الحق وترسيخ مبدأ سيادة القانونبما يعزز ثقة المتقاضين والمستثمرين بالقضاء الوطني ودوره في إرساءالعدالة الناجزة بنزاهة وحياد. وقد أشادت بعض التقارير الدوليةبمدونة السلوك القضائية لمحكمة قطر الدولية والتي تجسد مبادئالاستقلال والحياد والنزاهة.